المدينة الإسلاميّة و نشأتها
Écrit par هشام جـعـيط   

 

Hichem DJAÏT*

icon Télécharger l'article (799.35 KB)

في الحقيقة أنا اهتممت بالمعمار بصفتي مؤرخا ولم أكن مهندسا معماريا أو متخصصا في تخطيط المدن، إنما قادتني دراساتي التاريخية إلى دراسة جذور المدينة الإسلامية أو جذوع المدينة الإسلامية أو الطبقة الأولى من المدينة الإسلاميّة و تطوّراتها، لكن دون أن أُركّز بالطّبع بصفتي مؤرخا على مشكلة الفضاءات والتخطيط وإنما أضفت إلى هذه الهموم العمرانية هموما تاريخية أخرى مثل الصراعات الاجتماعية وعلاقاتها بالفضاء المدِينيّ، والدين والسياسة وكل ما يهم المؤرخ بصفته ملاحظا للتطورات الإنسانية والحضارية ولهذا فسيكون عرضي عرضا حضاريا يحاول نوعا من الشمولية

المُستحسن بالنسبة للمهندس المعماري وهذا نراه عند كثير من كبار المهندسين المعماريين أن تكون له ثقافة ممتدة ليس فقط بخصوص الفكر الفلسفي والإبداعي وهموم العصر والحدس وغير ذلك وإنما نوع من الهم الحضاري المنغرس في تربته أولا لكن قد يمتد إلى الإنسانية جمعاء بحيث لا إبداع حقيقي في مجال المعمار الكبير على الأقل بدون هذه الثقافة.

وفنّ المعماري هو من أحسن الفنون الذي يرمز إلى تبادل المعرفة وتكاتفها والتحامها وسأحاول أن أفكر في تاريخ المدينة الإسلامية وكيف بزغت أو طفحت على سطح التاريخ فنحن هنا في تونس مثلا في هذه المدينة التي نعيش فيها نلحظ وجود ما يسمى بالمدينة العتيقة ما نسميها المدينة وباللغة الدارجة "إلمْدينهْ" وكأنها شيء مميز عن المجموعة الحضرية. مجموعة العاصمة الحضرية وهي المدينة التقليدية المعروفة التي يسكن فيها الناس ويزورها الّسّوّاح وكانت في الأصل قبل الاستقلال مركزا أساسيا للسكن وللتجارة وللدين والحكم... ماذا نلحظ في هذه المدينة التي كانت مسوّرة في الأصل. وبقيت أبواب هذا التسوير... نلحظ وجود الجامع الأعظم وهو جامع الزيتونة بصفة مركزية وهو مركز الدين أساسا ثم حذوه بمائة متر أو شيء من هذا القبيل قصر الباي الذي يُسمّى بقصر الباي والذي صار اليوم مركزا للحكومة والذي هو مركز السلطة أو كان مركز السلطة ولا زال مركز قسم من السلطة ونلحظ أيضا أسواقا متعددة متشعبة لكن لا نلحظ في هذا المركز، مركز المدينة، سكنا إنسانيا أو قليلا من السكن الإنساني. بحيث تكون ما نسميه نحن بتونس الدار وما يسمى بالمشرق البيت وفي الحقيقة كلمة الدار هي أعرق عربيا من كلمة البيت قليلا ما يكون هذا البيت إن شئنا متواضعا في هذا المركز الأساسي السياسي الديني التجاري. وحول هذا المركز نجد نوعا مما يمكن أن يُسمّى بالحزام السكني تتداخل فيه أنهج متشعبة في الجملة يسكن فيها السكان ثم خارج المدينة كنا نجد ربضين "ربطْ" باب سويقة وقد كان مسورا في الماضي "وربطْ" باب الجزيرة في الجنوب. والربض ليس بالمدينة بالمعنى الدقيق وإنما أيضا كان سكنا تقليديا فيه العديد من المؤسسات التي تهم المدينة أي المساجد، الوظيفة الدينية، التجارة السكن لكن بالنسبة عادة لطبقات دنيا من المجتمع...

هذه تونس التقليدية التي كانت موجودة قبل الاستعمار... وهذه تونس التي كان يسكنها التونسيّون إلى حدود الاستقلال لأن المدينة الخارجية، أعني المدينة الحديثة بالمعنى العام وليس بالمعنى الخاص هي مدينة أوروبية إما فرنسية أو إيطالية أو يهودية حسب الحارات قبل أن يقطنها التونسيون وإنّما ساح التونسيون وخرجوا بعد الاستقلال إلى أن صارت "المدينة" القديمة الآن موضع تمركز فآت نازحة من داخل الجمهورية وصارت مهددة من الداخل فيما يخص السكن. المهم والذي أردت أن أجلب النّظر إليه هو نقطتان: نقطة أساسية وهو وجود مركز ديني سياسي تجاري في قلب المدينة العربية إلى اليوم وهذا المركز تقريبا نجده في كل المدن الإسلامية قاطبة وحتى في بعض المدن التي كانت إسلامية في الماضي ولم تعد إسلامية مثل غرناطة حيث نجد القيصرية وبجانبها الكنيسة الكبرى والتي في الأصل كانت المسجد الأعظم إلى آخره... والقصر... إن جذور هذا التمركز حول نقطتين أساسيتين التي تؤسس بُنية الفضاء بالنسبة للمدينة الإسلامية في الأول هي من جهة مركز عمومي سياسي ديني حربي وتجاري ومن جهة أخرى حزام سكني. وقد انكببت في دراساتي التاريخية على دراسة مدينة معينة اعتبرتها أول مدينة أسسها العرب خارج جزيرة العرب في الفتوحات الأولى وهذه المدينة هي بالمفهوم المصطلح، مصر كبير كان يستوعب المقاتلين العرب الأوائل وهو الكوفة بالعراق وقد تلاه بسرعة كبيرة مصر ثان وهو البصرة أو قد يكون المصران قد تزامنا وقد رأيت في خصوص تخطيط هذا المصر الأول الكبير الذي خططه العرب خارج الجزيرة العربية لكن تحت راية الإسلام أن التخطيط لم يكن تخطيطا قويا وإنما تماشى مع اختيارات، أي كانت العملية عملية إرادية. أي بعد أن اختار الناس رقعة البناء ووقعت رغبة في البناء بسرعة خاطفة...

ففي الأول كان هناك المسجد وكان القصر منفصلين وكان هناك نفق يجعل الوالي يذهب إلى المسجد الجامع من هذا النفق ويخطب في الناس وكان الارتباط قويا في الأول على الأقل منذ زمن الخلفاء الراشدين بين القصر الذي هو مركز السياسية والمركز العسكري وبين المسجد ثم جاءت الأسواق في هذا الفضاء العمومي. وكان هذا الفضاء العمومي محجّرا للسكن إلا بعض القطائع أعطاها عمر لكبار الصحابة وكانت قلة وكان فضاءً فسيحا ووراء هذا الفضاء الفسيح حزام سكني محيط به تأتي فيه الخطط القبلية لأن العرب كانوا منقسمين إلى قبائل وعشائر... الخطط القبلية والقطائع العشائرية في وحدات مستقلة. إنما هذا الاستقلال لم يكن تاما لأن ما يجمع هذه الفئات المتعددة من القبائل هو الحكم، الحاكم، الوالي الممثل للسلطة الفوقية والدين الموحد لكل هذه العناصر. ويمثل هكذا الفضاء المركزي، وحدة الأمة في هذا المكان. وهناك عنصر ثالث ولكن يمكن أن يكون ثانويا هو عنصر الفصل وهو المناهج أساسا فهو فصل بين الخطط القبلية وفي نفس الوقت هي ممرّ لهذه القبائل عندما تخرج من خططها وقطائعها لتذهب إلى المركز العمومي أي إلى السوق وعلى المسجد الجامع بالخصوص وكانت هذه المناهج واسعة جدا أو على شكل هندسي فكان عرضها ستين ذراعا أي ثلاثين مترا تقريبا وكان هذا المخطط الأول كله يظهر كمخطط هندسي يجعل من هذه المدينة الأولى مدينة هندسية إلى آخر درجة، رحبة واضحة وعقلانية و إراديّة. ومن هذا الوجه فلا علاقة بين المدينة الإسلامية الأولى أي الجيل الأول من الأمصار وبين المدينة الكلاسيكيّة أي مدينة القرن الثالث والرابع... التي قد تكون أكثر تعقدا ولكن أكثر اختناقا والتواءً واضطرابا وبالطبع أيضا المدينة ما بعد الكلاسيكية أي التي تلت القرن الخامس أي إثر انحلال الخلافة العباسية إنما تبقى كما ذكرت آنفا علاقة أساسية باقية كالخيط يربط بين النموذج القديم والجديد في الفصل بين المركز الديني التجاري عن الحارات السكنية وهذا كما قلت وأكرّر بقيت سمة للمدينة الإسلامية النموذجية طوال العصور. وإن استقرأنا أقوال المستشرقين عن هذا النموذج لوَجدنا أنهم كثيرا ما اعتمدوا في تحليلاتهم عَمّا يمكن أن نسميه تقليدا استشراقيا يجعل من كل مستشرق يأخذ عن سابقه في أفكاره و تصوّراته،فإنّك تجدُ كثيرا من أقوال هذا المستشرق عند من سبقه بحيث هو كسلسلة الحديث و إنّما هو حديث استشراقي. الفكرة الأساسية التي طرحها المستشرقون عن أوائل المدينة الإسلامية... هي مُخالفة تماما لهذه النظرة، فقد قالوا عن المدينة الإسلامية لم تكن مدينة في الحقيقة إنما كانت أمصارا ومعسكرات، والمعسكرات ليست مدينة ونحن نعرف أن الكوفة كانت معسكرا في حدود أشهر قليلة والبصرة نفس الشيء. ثم قالوا أن المدينة الإسلامية الأولى وحتى المدينة الإسلامية بصفة عامة لم تكن أبدا مدينة إرادية بفعل إرادة واضحة المعالم علانية وحتى إذا كان كذلك الأمر فقد تكون مدنا بِِلاطية مثل بعض التكوينات البِلاطية وليست مدنا حقيقية وهم يعتبرون هذا لماذا؟ لأن العنصر الإرادي له أفضلية كأن له قيمة على العنصر العفوي ولذا اختلقوا مفهوم المنشآت العفوية الإسلامية لأنهم يعتبرون أن العفوية هي لخبطة بينما العفوية هي ليست لخبطة العفوية تخرج عبر عملية تاريخية عميقة... اللغة ليست لخبطة... اللغة عفوية تخرج من تاريخ طويل. الأديان عدى بعض الأديان الكبرى أغلبها تمر بعمليات طويلة المدى... كل ما هو عفوي هو ليس مُلخبطا بل بالعكس له منطق كبير. لكن هذا ما كانوا يعتبرون ويمسحون عن كل المدن وكل المؤسسات التي في المدن الإسلامية صفة المدينة الإرادية. بالطبع بالنسبة للكوفة الأمر هو نفس الشيء

بالنسبة للبصرة نفس الشيء بينما هي أسمى مظاهر المدن المخططة وحتى بالنسبة لبغداد بينما الكل يعلم بأن بغداد بُنيت بفكرة مصورة من طرف أبي جعفر المنصور على الأقل بغداد الأولى المدينة المُدوّرة المسوَرة. بخصوص بغداد فإن النظرية الجديدة أمثال نظريات مستشرق أمريكي اسمه لاسنر تقول: في الحقيقة بغداد الأولى لم تكن هذه المدينة المسورة، بغداد الأولى هي مدينة الكرخ أي ما سيصير الكرخ والتي كانت مدينة البنّائين... وكذا فالمائة ألف شخص الذين بنوا المدينة المدورة هم الذين أنشؤوا بغداد الأولى إي مدينة عفوية. هذا الأساسي، والأخرى ثانوية ثم فيما يخص تطور الكوفة والبصرة يقولون إن الكوفة والبصرة تطورتا بصفة عفوية لأنه ليس لهما مركزا! كيف ليس لهما مركز؟ أليس لهما مسجد جامع وقصر والقصر حصن فيه خمسون أو ستون برجا، والمسجد كان محصنا فيه أبراج كبيرة وليس نفس الشيء كجامع الزيتونة والمساجد الأخرى. ففهمهم للأمور كان إذن فهما عكسيا بحيث لا نجد عندهم شيئا من هذه النظرة ثم لم يفهموا مفهوم هذه الثنائية بين المركز العمومي وبين الحزام السكني المدني الخاص. في الحقيقة لقد كان مخالفة من الصعب فهم هذه الثنائية لأن المدينة الإسلامية لم تكن الأولى وهي عربية أيضا لم تكن لتعيش أو تنبثق من لا شيء فليس هناك شيء يخرج من العدم في تاريخ الحضارات ولا في أي ميدان. إنما إلى حد كبير المدينة الإسلامية الأولى على الأقل كانت عرفت نوعا من تعميق فكرة عامة أو تصوّر عام كان يسري في الإنسانية جمعاء من القديم في خصوص تأسيس المدن. هناك تقنية إن شئنا، في التّصور العام في تأسيس المدن ابتدأ من قديم الزمان من بابل ثم آشور والفترة الهيلينية والهيلنستية أساسا التي كانت خلّاقة للمدن بصفة غريبة، والفارسية والرومانية تقوْلبت في قالب ثقافة معمارية مكثفة في كل العالم الشرقي ووقع استيعابها من طرف العرب حتى ما قبل الإسلام فكانت لدى العرب نظرة ومعرفة مسبقة هذا القالب الأساسي العام المُنبث يُرى في تكوين الفضاء العمومي. يقول "وريث" في كتابه لا يمكن تقريبا تكوين مدن في الماضي في كل المدن السامية القديمة بدون مركز عسكري ديني يكاد يكون هذا الأمر عاما في تكوين المدن في الإنسانية القديمة إضافة إلى عنصر الحرب. ثم من جهة أخرى بالطبع وقعت تأثيرات من وجهة التقليد العربي المحض، وما نقصد بالتقليد العربي المحض؟ التقليد العربي المحض هو إدخال خصوصية في هذه الثروة العامة الموروثة. الخُصوصية العربية لعبت في التقريب على مدى ألف سنة بين الطرفين الحضاريين الكبيرين: الأول هو بلاد الشام ومن سكنه من العرب الأوائل أسميهم "بروتو أراب" proto-arabe الذين بنوا "البتراء" وغيرها Palmyre التي هي تدمر وحتى "هترا" ثم اليمن من جهة ثانية والعملية في الحقيقة التي وقعت هي التالية فمفهوم المدينة هو يحمل مفهوم الحضارة عادة على مد آلاف السنين تحول من العراق الذي كان المركز الأقدم - العراق القديم – نحو الشام ثم وقعت علاقة بين الشام واليمن وإلى حد كبير كان الشام المُربي الحضاري لليمن القديم من ألف سنة تقريبا أي بين القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرن الخامس بعد الميلاد، وقٌبيل الإسلام بقرن تكونت أجيال من المدن من طرف عرب الضاحية هؤلاء في الشام وأجيال جديدة في اليمن القديم، على أن اليمن كانت لغتها لغة خصوصية إلى حد كبير وتكونت أجيال في اليمن القديم من المدن مِنْ شبوا القديمة في حضرموت إلى سبا إلى ضفار إلى آخره... آخر هذا الجيل هي صنعاء في الفترة السبائية بحيث على الأقل كان للعرب مفهوم المدينة في هذه الأطراف، وآخر مرحلة تأتي في الفترة الثالثة، ما أسمّيه المدينة الجديدة... أو جيل المدن الجديدة وهي مدن الحجاز رغم وجود بعض الأفكار حول قدم مكة ويثرب أو شيء من هذا القبيل، لا أتكلم عن الناحية الدينية أو عن النظرة القرآنية التي تُرجع مكة إلى إبراهيم ونظرة المفسرين الذين يرجعونها إلى آدم والخليقة لكن من الناحية التاريخية ثمّة من يقول... إن الأقرب أنّ يثرب ومكة والطائف وهي هذا الثالوث من المدن هي مدن جديدة وهي عبرت كمدن عن أكثر من مشكلة الفضاءات، عبرت عن مستقبل الجزيرة العربية لأنها في الحقيقة كانت في قلب العروبة... فالعروبة لم يقع ابتلاعها أو امتصاصها من طرف الخارج كالشام ولم يقع أيضا تهميشها كاليمن وانكبابها على ذاتها وكانت حالتها نصف وحشية ونصف حضاريّة ونصف مُهمّشة ونصف مدرجة في التاريخ ومن هنا تأتي المعجزات ومعجزة مكة تكمن، في المعجزة الروحية وهذه في كونها عبرت عن أقوى مظهر: المظهر المتأصل في العروبة القديمة عنصر التجديد. وبالتالي فهي إذا مبشرة بالمستقبل لا في خصوص تفسير ظهور الإسلام فقط، لكن أيضا في خصوص الفكر الخلاق الذي برز في نشأة الأمصار الأولى. يبدو هنا أن الذين لهم الدور الأساسي ليسوا لا من أهل الشام الذين أسلموا والذين تبدّلوا مثل قبائل الكلب وقبائل غسان إلى آخره وليسوا من أهل اليمن على أن أهل اليمن استقروا بصفة مكثفة بالأمصار الكبرى وخصوصا بالكوفة وإنّما من طرف السلطة القائمة وهذه السلطة القائمة سواء في فترة الراشدين أو في الفترة الأموية، هي من الحجاز أي عناصر إمَا من قريش وإما من ثقيف، سواء سعد بن أبي وقاص القرشي وهو مؤسس الكوفة، فهو الذي خلقها وأبدعها، وزياد بن أبي سفيان إلى الحجاج وهي عناصر تحضيريّة. وهنا أصلُ إلى المفهوم الأول، مفهوم المصر والذي تطورت عنه كل العناصر العربية المدينية فما هو مفهوم المصر هذا؟ الكلمة ربما يكون أصلها يمني لكن المصر هو مدينة البدو أساسا وهو أمر جديد مع عناصر مدينية مثل التنظيم العشائري ولكنه مُأطّر بالتأطير الحكومي والعسكري والجبائيّ، ويمكن أن نتساءل لماذا استعمل العرب كلمة مصر عوض أن يستعملوا كلمة قرية أو كلمة مدينة التي نجدها مستعملة في القرآن ومفهوم القرية لا يعني المفهوم المعتاد به الآن ولا حتى في الفترة الكلاسيكية وإنما تعني المدينة. لماذا اختلق العرب مفهوم المصر؟ لأن في الحقيقة في العروبة الجاهلية كان هناك نوع من الانشقاق أو من الخصام والفصل التام بين عالم البداوة أو منطق البدو وحضارة البدو وعالم القرية وحضارة القرية وهذا بقي على حد كبير في الذهنية العربية وحتى في الحضارة العربية. ونجد في القرآن آيات تتكلم عن الأعراب وهي لا تتكلم عن العرب ويتكلم القرآن عن أهل المدينة ويعارضهم بالأعراب وكأنهم عناصر خارجية وكأن قريشا لها ذهنية خاصة نجد إذن منهم أهل المدينة أو شيئا من هذا القبيل أما مفهوم المصر فإنه تطور، فلا ينطبق المصر كما قلت على مركز ذي اتجاه عسكري حدودي لأن الأمصار هذه الكبرى، كانت مركز الفتوحات الكبرى إلى حدود آسيا الوسطى وإلى أرض الهند وهذه الأمصار كلها كونها أهل الكوفة وأهل البصرة، ولكنه صار يعني أساسا إقامة دائمة للسكن قابلة للتطور إلى مدينة. ومع هذا فقد تطور مفهوم المصر فيما بعد ثانية، فابن خلدون نجده بعد قرون يتكلم على أن المصر هو الحاضرة الكبيرة وليس بالمفهوم الأول، ويتكلم ابن خلدون على أن المصر هو الحاضرة الكبيرة ويضاهي، أي يناقض بين الظاهرة المدِينيّة التي يمثلها المصر مثل القاهرة التي عرفها وغيرها من مدن المغرب وبين البداوة على أن البداوة هي مناقضة تماما للمصر ونحن عرفنا أن الجيل الأول من الأمصار الذي كون الإمبراطورية الإسلامية هي أساسا أمصار تكونت من البدو. على كل، لا أدخل في مناقشة نظرية ابن خلدون إنما أتم تقريبا كلامي فأقول إن العرب في الأكثرية الغالبة أنشأوا مدنا خاصة بهم ولم يريدوا أن يتأصلوا أو يسكنوا مدنا جاهزة فتحوها لأنهم أرادوا الحفاظ على الهُوية الثقافية لأن الهوية العربية الثقافية حتى في الجاهلية كانت قوية ثم جاء الإسلام وكانت مراكزهم المدِينية مراكز إسلام بينهم. هم أناس لم يكونوا يعرفون بعضهم: هذا من اليمن وذاك من الحجاز أو من البحرين وبين الواحد والآخر آلاف الكيلومترات كوّنوا أمّة ودخلوا في بوتقة هذه المدن لتكوين أمة مقاتلة وخصوصا للتعرف على دينهم وتعميق دينهم ومراكز لتكوين الإمبراطورية وحراستها. ومن جهة أخرى هناك عنصر الانكفاء على الذات وهذا ما يجعل ابن خلدون يقول إن العرب لم يحسنوا اختيار أماكن أمصارهم ومدنهم خلافا للإفرنج. وبقيت مشكلة ثانية يجب على الأقل طرحها هي: هل صحيح أن الثقافات الأخرى أو الحضارات الأخرى عرفت حضارة مدينية أرقى من الحضارة المدينية الإسلامية؟..

يطول الكلام في هذا الأمر في الحقيقة، أنا أقول الذي حصل هو وجود مشروع حضاري لا يمكن أن نشك فيه مرتبط بالتأثير الديني وبالخضوع لدولة فوقية وأن الموروث وحده لا يكفي بل لا بد أن يتكافل مع المشروع لامتلاك الروح الحضارية التي سكن إليها العرب بكل معاني سكن، (سكن الإنسان إلى زوجته، والسكينة تأتي من سكن)، وبزوغ المدينة الإسلامية الأولية يعبّر أحسن تعبير عن القوة الإرادية في المسار التاريخي وجدليتها مع مناخ متقبل لها وفتح لها آفاق الأمل. ثم إن المصر في هذه الأجيال الأولى كان مركز القوة والمال ولهذا كان ذا تأثير على التحولات السياسية الكبيرة. أما بخصوص المدينة الإسلامية الكلاسيكية فالتأثيرات القديمة الفارسية والبابلية لم تدخل بصفة واضحة في المدينة العربية إلا بعد زمن طويل، مع العباسيين في مثال بغداد مثلا وبقدر ما كان يمر الزمن بمقدار ما كان الموروث القديم والطبقات الأقدم من الموروث تؤثر على وجود المدينة العربية، ولهذا صارت المدينة العربية بعدما كانت في الأصل مدينة هندسية صارت مدينة ملتوية لماذا؟ هذا غلط هي المدينة. لا ننسى أن المدينة الإسلامية حتى في عصورها الكلاسيكية كانت أيضا المقر لتكوين حضارة شيئا فشيئا وأن هذه الحضارة منبثقة إلى حد كبير من الدين ومن المشاريع الدينية في علاقات البشر وهذا ما جعل المدينة الإسلامية تتأثر بالدين كتركيزها على الخاص ضد العام بينما كانت في الأول تركّز على قوة العمُومي والمركزية والفساحة والهندسة والعقلانية... صار ضغط الخاص أي السكن الخاص قويا جدا على المدينة الإسلامية وقضم بشدة على المراكز العمومية وهذا ما جعل مثلا المناهج وطرق المرور التي هي مراكز عمومية ومراكز تحرك تُقضم لفائدة الخواص أي لفائدة السكن والدور. هذا كله ناتج عن كون الإسلام أو الحضارة الإسلامية تطورت في منحى الانكفاء على الذات وخلق السكن الداخلي كعالم بذاته فيه المرأة والرجل، والانقطاع عن العالم الخارجي بحيث هذا أمر أساسي لتفسير ما نجده الآن في كثير من المدن وحتى خارج المدينة القديمة حيث أن السكان غير قادرين على الاحتفاظ بالمسكن كما أخذوه... السكان بالطبع غير العارفين، لا بد أن يزيدوا في هذا وفي ذاك. وهكذا تكونت الأزقة بزيادات من هذا القبيل للخاص على حساب العام ويقع التشويه عادة حتى للعمارات الجديدة، فتجد عادة عمارة منظمة من الأول ثم يقع قضمها في الآخر وهذا من التقليد القديم. وبكلمة في الآخر أريد أن أقول هل يمكن لنا أن نُوظّف هذه الأفكار وهذا التقليد في المشروع المعماري الآن؟ أنا من الناس الذين لا يرون ضرورة توظيف الفكرة المعمارية الإسلامية القديمة وتطوراتها، لأنه يوجد نموذج حاصل جاهز في المدينة الحالية على نطاق التخطيط على الأقل وعلى نطاق التعمير في هذا الطور الذي نعيشه وهو المدينة الحديثة. فالذي تبقّى لنا من تراثنا مع الأسف والذي نحن نكرسه من تراثنا هو ماذا؟ هي النقاط السلبية وليست النقاط الإيجابية.